حبيب الله الهاشمي الخوئي

168

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فالتحقيق أن يقال : إنّ المصانعة في كلامه بمعني المداهنة والمخادعة والمقصود أنّ إقامة أمر الله لا يوافق مع من كان مداهنا مع النّاس يبتغى إجابة شهواتهم وآرائهم الفاسدة ، وقد حذّر الله النبيّ صلَّى الله عليه وآله عن ذلك بقوله 9 - القلم - * ( » وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ « ) * . ويستفيد منه المنع عن المداهنة مع مخالف الحقّ حتّى في أصعب المواقف وأحرجها ، وكأنّه إشارة إلى الطعن في سيرة الشيخين ، فانّ المداهنة ظاهرة فيها فقد داهن أبا بكر خالد بن الوليد في مقتل مالك بن نويرة أحد كبار المسلمين كما هو مثبت في التاريخ ، وداهن عمر معاوية وسائر رجال بنى اميّة فسلَّطهم على الشامات ، وتحمّل منهم خلافات لم يتحمّلها من غيرهم . والمقصود من المضارعة هو المشابهة ، فانّ ضارع لم يجيء في اللغة إلَّا بهذا المعنى ، وغرضه عليه السّلام أنّ الحاكم الحق لا يشابه مع الناس في سيرتهم وآدابهم المبنية على السنن التقليدية ، أو الأهواء والآراء الشهويّة ، فملازمة الحق يقطعه عن التشابه مع من في رتبته من النّاس ، كما نقل عن سيرته عليه السّلام في أيام إمارته وتصدّيه لخسف نعله في معركة الجمل وتلبسه إزارا خلقا مرقوعا عيب عليه فإقامة الحق الصريح لا يستقيم مع مشابهة النّاس في الأحوال والأزياء . وكأنه طعن على سيرة الأمويين في حكومتهم ، فإنهم مالوا إلى اتّباع أزياء وأحوال قياصرة الرّوم وحكامها في دولتهم استمالة للنّاس وإخضاعا لهم على ما اعتادوا وقضاء لحوائجهم الشهويّة الهدّامة . وبنى حجر هذا الأساس معاوية نفسه كما يظهر من ملاقاته مع عمر في سفره إلى الشام واستنكار عمر زيّه عليه واعتذاره بأنّا في بلد يدبّر الأمراء أمر النّاس بهذا الزيّ ، وقد أفرط في هذا التشابه المشئوم ، والتنصّر المذموم ، يزيد بعده فصارت سيرة لسائر الولاة والامراء ، وهم بين معتدل ومفرط . وأمّا قوله ( ولا يتّبع المطامع ) فإشارة إلى الطعن في حكومة عثمان المليئة بالمطامع الشخصيّة والقبليّة .